الخميس، 1 يونيو 2017

حراك الريف.. بين "تشيّع" الزفزافي و"تصهين" المخزن


خاص: شباب المهجر /  ياسين شرف 
في بدعة جديدة تذكّر بمقاربة الأنظمة الخليجية المتصهينة، خرج على المغاربة المدعو 'منار السليمي'، مدير المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، ليقول بلسان أسياده في المخابرات لقناة "بي بي سي" الثلاثاء، أن المناضل ناصر الزفزافي شخص غير عادي، تمت صناعته من قبل جهات خارجية (في إشارة إلى إيران)، ليسهّل عمل جمعيات شيعية بأوروبا، تسعى إلى نقل "الحشد الشعبي" إلى المغرب، وفق زعمه…/...

ما قاله هذا العميل المخزني، لا يستند إلى معلومات بحوزة القضاء، بل يتعلق الأمر بتهمة زائفة جاهزة، في محاولة يائسة لتبخيس نضال أهلنا في الريف المدعوم من قبل كل المغاربة الشرفاء ضد ظلم المخزن واستبداده وفساده، لأن دليله الوحيد على تشيّع الزفزافي، هو قراءة تأويلية لظاهر خطاباته، حيث كان يتحدث كثيرا عن عدل عمر ابن الخطاب (ر) في محاولة ذكية من الزفزافي لتقويض صورة "الملك العادل" التي يحاول ترسيخها محمد السادس في أذهان المغفلين من العباد من خلال توزيعه سلل الغذاء على الفقراء والمساكين.

وحيث أن الأمر كذلك، فإن من كان ينافق الله والذين آمنوا من المستضعفين المغاربة ويتصرف بتقية، فيظهر الجانب الإيماني الخير ويخفي الجانب الظالم والفاسد السيئ في شخصيته هو العاهل المغربي، وليس المناضل الشجاع والمواطن المؤمن الفقير ناصر الزفزافي الذي اعتبره 'منار السليمي' "شيعي" يمارس التقية.

وحسنا فعل الباحث في علم الاجتماع وانتروبولوجيا الثقافة السيد 'عياد أبلال'، حين رد على المدعو 'منار السليمي' بالقول، إن الجهة المخول لها قانونيا وبوجود الحجج تقديم هذه التهمة هي النيابة العامة على ضوء أبحاث الاستخبارات الدولية، مشيرا أن الشيعة الإثني عشرية لا يعترفون بشرعية الخلفاء باستثناء إمامة علي كرم الله وجهه.

هذا أمر سياسي لا علاقة له بجوهر الدين، لأن الخلاف في الأصل كان على السلطة بين آل البيت ونبلاء قريش والخوارج، وسبب الفتنة يعود إلى عدم تطبيق مبدأ الشورى  بالمفهوم القرآني الواسع الذي يعني صوت لكل مسلم لأن الشوري جاءت في القرآن مقرونة بفريضة الصلاة الواجبة على كل مؤمن، وبسبب ما حصل في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام، تمت سرقة هذا الحق الذي يعطي الشعب شرعية اختيار حكامه، فتحول  إلى مجرد إجراء شكلي محصور في يد بعض الأعيان المختارين من قبل الحاكم بأمره، هو ما أصبح يعرف في التراث بـ"أهل الحل والعقد".

وطبعا لم يكن السيد 'عياد أبلال' يقصد أن "التشيع" يعتبر تهمة في القانون الجنائي المغربي، لأن كل مغربي حر في أن يعتقد ما يشاء ما دام الله في علاه قد أعلن صراحة أن لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يشأ فيؤمن ومن يشأ فليكفر إن الله غني عن العالمين، بل قصده ما أشار له منار السليمي دون دليل من محاولة ناصر الزفزافي "تسهيل دخول الحشد الشعبي إلى المغرب"، في استغباء للمغاربة الذين لم يعد ينطلي عليهم مثل هذا النوع من الفجور في التصريحات السياسية والإعلامية التي يلجأ إليها المخزن عبر أزلامه كلما حاصره الشعب بما لا قبل له بمواجهته، فيبحث جاهدا عما من شأنه بث الفرقة في صفوفهم عملا بمبدأ "فرق تسد".

والمؤسف هذه المرة، أن النظام لم يجد من سلاح ناجع لزرع الفرقة بين المغاربة بهدف إفشال حراكهم غير المقاربة الخليجية التي تركز على إيران باعتبارها "العدو" بدل "إسرائيل".. فهل هي رسالة يريد من خلالها النظام التأكيد على انخراطه في الفتنة الطائفية التي تقرر إشعالها في المنطقة بعد زيارة ترامب الأخيرة إلى الرياض واجتماعه مع الدول العربية والإسلامية، وتنديده بما أسماه بـ"التدخلات الإيرانية المزعزعة للاستقرار" مقابل رشوة سعودية على شكل استثمارات في البنى التحتية الأمريكية وعقود تجارية وصفقات أسلحة بلغت حوالي 500 مليار دولار؟.. 

وجميعنا يعلم أن  السعودية لو كانت فعلا تحب الخير للعرب والمسلمين لأنفقت هذا المبلغ في محاربة الجهل والفقر والمرض والبطالة، لكنها أنفقت ولا تزال مئات المليارات من أموال العرب والمسلمين على ذبحهم، وتدمير أوطانهم، وتخريب تاريخهم وحضارتهم، وتشويه دينهم وسمعتهم، وعرقلة نهضتهم، وسرقة مستقبل أبنائهم، خدمة لواشنطن وتل أبيب. 

نقول هذا لأن خطورة إثارة هذا النوع من الخطاب السياسوي المغرض والمنحط حد الفسوق على لسان أزلام مخابرات السلطان، هدفه تحويل الصراع بين الشعب المغربي والمخزن من صراع على مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية مشروعة إلى صراع طائفي وهمي لا وجود له في المغرب الذي لا يعرف هذا النوع من الثنائية المذهبية كما هو الحال في المشرق العربي، وذلك لنزع الشرعية الشعبية التي اكتسبها المناضل ناصر الزفزافي بمواقفه الشجاعة من جهة، وتخويف الناس من المصير المظلم الذي قد يتحول إليه المغرب في حال تصاعد هذا الحراك، خصوصا بعد أن بدأ يمتد إلى مدن رئيسة أخرى كطنجة ومراكش والدار البيضاء وفاس والقنيطرة والرباط، تحت شعار "كلنا الزفزافي".

وقد يكون الآتي أعظم، لأن النظام المخزني غير مستعد على ما يبدو للتنازل عن قبضته الحديدية التي يعتبرها من جوهر عقيدته الإديولوجية التي تقول بـ"أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'، وهو ما أكده المنافق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في أول درس رمضاني لهذه السنة، في رسالة واضحة للمغاربة تعلن عن النوايا الحقيقية لـ"أمير المؤمنين" وحقه في استعمال القوة والقهر ضد من يحاول النظام وصمهم بـ"الانفصال" وخدمة أجندة خارجية، وكأن المغاربة شعب من المغفلين الأوباش الذين لا يستقيمون إلا بسيف "أمير المؤمنين"، والتاريخ يقول أن صاحب هذه المقولة عثمان بن عفان (ر) قد انتهى به الأمر مقتولا على يد الخوارج لأنه استخف بالعدل الذي هو أساس الملك وتجاهل سنن التاريخ التي تقول أن الظلم هو السبب الرئيس في خراب البشر والعمران، فكانت الفتنة الصغرة التي أعقبتها الفتنة الكبرى.

فهل هذا هو ما يسعى إليه المخزن في المغرب؟..

نقول هذا لأننا بدأنا نلمس إصرارا من قبل المخزن على تحويل الحراك من سياسي إلى ديني من خلال أئمة المساجد لزرع التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وهو سلاح خطير قد يرتد على المخزن في زمن تغيّر فيه المغرب وأصبح المغاربة يملكون وعيا دينيا وسياسيا راقيا، والخوف هو من أن تقدم المخابرات على تجنيد عناصر إرهابية لإحداث تفجيرات أو عمليات مسلحة هنا أو هناك واتهام الحراك الشعبي بالإرهاب، وهي (أي المخابرات) الضليعة بتجنيد الإرهابيين غب الطلب خدمة لأجندات المخابرات الأطلسية والصهيونية زمن حرب أفغانستان وتفجيرات الدار البيضاء ومدريد وصولا إلى محنة سورية بتكالب مع مملكة الشر والإرهاب السعودية. 

نقول هذا بعد أن وقفنا على بعض التحركات المشبوهة لجماعة المتطرف السلفي 'الشيخ المغراوي' لعرقة تحرك شعبي في مراكش، ولا نستبعد أن يجند النظام عملائه من الإسلامويين لترهيب المواطنين الآمنين والمسالمين، خصوصا بعد أن فشلت السلطة في إجهاض حراك الريف من خلال تجنيد عصابات  تجار المخدرات الذين يعملون تحت إمرتها ويتاجرون بالحشيش نيابة عن المخزن الذي يجني من هذه التجارة ما يفوق 13 مليار دولار في السنة وفق تقديرات غربية رسمية.

إن تشويه سمعة الحركة الاحتجاجية واتهامها بالجموح نحو الانفصال بتحريض وتمويل خارجي، لا يعدو كونه فبركة غبية من مخابرات نظام غبي، يعتقد أنه لا يزال بمقدوره إدارة البلاد بقرارات مجازية تحكمية، وقمع احتجاجات المغاربة المشروعة بمقاربات أمنية تتخذ من الدين وخطاب الفتنة والطائفية سلاحا يبرر قمعها في مهدها قبل أن يصعب السيطرة عليها وهو يراها تكبر يوما بعد يوم ولا يملك لها حلا، ما ينذر بالأسوأ.

ودليل ذلك، أن النظام باعتقاله لناصر الزفزافي ومن معه من المناضلين الشرفاء وتعذيبهم لإجبارهم على التوقيع على محاضر بوليسية معدة سلفا، يؤكد أنه بحاجة إلى أحكام قضائية صورية يتخذها كذريعة لوأد الاحتجاجات بعد أن لم ينفع التشويه الإعلامي في إخمادها ودفع الجماهير للعزوف عن دعمها.. 

فعن أي استقلال للقضاء يتحدث الطيبون ونحن نرى الوكيل العالم يستحوذ على اختصاص وكيل الملك فيتبنى القضية بتعليمات من القصر، ما يؤكد أن النظام لا يزال يستعمل القضاء كسيف ديموقليس لتصفية حساباته السياسية مع معارضيه الشرفاء، وكل ما قيل عن العهد الجديد والدستور الجديد مجرد إعلانات ترويجية كاذبة زائفة، سرعان ما تسقط عندما تواجه بعناد المغاربة وإصرارهم على المطالبة بحقوقهم المشروعة، وعلى رأسها "الكرامة" التي لا تقدر بثمن.  

ما من شك أن هدف النظام من هذا المنحى التصعيدي هو تحويل الحراك من سلمي إلى صدامي عنيف يعطي للسلطة المبرر "الشرعي" لقمعه بزعم الحفاظ على الأمن والاستقرار، وهذا ما يجب تجنبه بكل الوسائل حتى لا يسقط الحراك في الفخ المعد له بإحكام.

ولعل المناضلين الشباب قد اكتسبوا خلال حراك 20 فبراير ما يكفي من الدروس التي ستساعدهم لا محالة على مواجهة تكتيكات المخزن باستراتيجية نضالية شجاعة ومستدامة تذر عليهم عطف الشعب المغربي والمجتمع الدولي معا، وهو ما يخشاه النظام، ويعتبره السلاح الأنجع لإفشال مخططاته.

لأنه إذا كان النظام قد نجح في إفشال حراك 20 فبراير بفضل الصراع المفتعل الذي خلقه بين العلمانيين والإسلاميين، فإن حراك الريف وامتداداته لا علاقة لها بهذا الثنائي، لأنها احتجاجات شعبية لا شرقية ولا غربية، لذلك لجأ المخزن لسلاح الفتنة في محاولة غبية لتعليق شماعة عجزه وفشله على إيران حين اتهم الزفزافي بالتشيّع.

المغرب لا يمكن أن يتحول إلى سورية كما يروج عملاء النظام لذلك من باب التخويف والترهيب، لأن سبب خراب سورية يعود أساسا لموقفها من "إسرائيل" ودعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، هذا في ما النظام المغربي يعتبر نظاما عميلا للغرب الأطلسي وخديما مخلصا لتل أبيب وعدوا للمقاومة.

كما أنه لا يمكن أن يتحول إلى ليبيا لأن البيئة السوسيوثقافية المغربية لا تحكمها العصبيات القبلية المتجذرة في القطر المغاربي الشقيق، هذا ناهيك عن أن محمد السادس ليس القذافي الذي تكالبت عليه السعودية وفرنسا لحسابات شخصية واقتصادية لم تعد خافية على أحد، وهناك معلومات تؤكد مشاركة المخابرات المغرب مع المخابرات الفرنسية في قتله، انتقاما من محاولته اغتيال ملك السعودية بسيارة مفخّخة في المغرب.

كما وأن المغرب "مملكة" تخشى من سقوطها الأنظمة الخليجية التي واجهت الربيع العربي في المنطقة بكل ما أوتيت من مال ودسائس سياسية، بل واستعملت الإرهاب لفرض أنظمة على مقاسها، لأن أخطر ما تخشاه وتعتقد أنه يهدد عروشها هو "الديموقراطية".  

هذا ناهيك عن أن أوروبا لا ترى مصلحة في زعزعة الاستقرار في المغرب خوفا من تداعيات تسونامي الهجرة والإرهاب.

لهذه الأسباب نعتقد أن استراتيجية النظام في مواجهة الحراك ستفشل أمام وعي وإصرار الشباب على التحدي والتصعيد السلمي، خصوصا وأن الحراك الجديد يعرف دعما نوعيا غير مسبوق من قبل عديد الفاعلين المغاربة من مختلف المجالات في الداخل والمهجر.

وهذا بالضبط هو ما يرعب النظام ويربكه، وسيدفعه حتما إلى خيار من إثنين: إما التراجع وفتح حوار جاد والقبول بتغيير قواعد اللعبة برمتها لإنهاء مهزلة التحكم من خلف في كل مفاصل الدولة والمؤسسات بما في ذلك الأحزاب والبرلمان والانتخابات والقضاء والمجتمع المدني، أو تبني خيار التصعيد والانتحار.. وحينها على نفسها تكون قد جنت براقش.


ليست هناك تعليقات: